فقط كانت لمحات سريعة متبادلة بيننا ظاهرها أننا لا نعرف بعض ، لكن كل شخص متأكد انه يعرف الآخر
، من جهته لا أدري لماذا حاول تجاهلي ؟
ربما تنكر متعمدا بعدم التركيز والنظر لي بدقة ، حاول أن يوهمني انه لم ينظر لي بتمعن حتى لا يبادرني بالسلام أو التحية بعد أن غادر المكان الذي جمعنا للحظات .
انتقلت أنا إلى ماض بعيد وذكريات طفولة لا تحمل البراءة بقدر ما كانت تبحث عن المتعة ، في الوقت نفسه لا تعرف ما هي المتعة التي تبحث عنها أو كانت تنشدها .
وفي طرقات المدينة المظلمة والساطعة ، أتنقل وأنا أحمل معي ما يجعلني أسير بدون توقف لساعات أسير ولا أعلم أين سأقف !! ذهبت مع خيالي وبصحبة ذكرياتي أجوب الشوارع والأزقة وكأن الكون بدا لي ساكنا ، هدوء عجيب لم أحصل عليه من قبل ، طرقات بدت لي خالية من المارة ، توقفت الحركة في تلك اللحظات ورجعت إلى الخلف سنين ، أسمع طرق صبي على الباب يبحث عن مخرج ، ينادي لكي يفتح له أحد الباب الذي أغلق عليه ، بدأت صرخاته ترتفع ومعها يشتد ضربه على الباب ، تطابقت صورة الصبي مع الصورة التي رايتها قبل لحظات ، فقط ملامح السنين غيرت في وجه الغلام البراءة والطفولة .
عدت إلى ضوضاء المدينة ، طرقات مزدحمة ، أنوار حمراء وخضراء تسيّر حياة الناس ، أصوت أبواق السيارات أزعجتني ، كأني أسمعها لأول مرة أكاد اختنق من هذا الزحام الذي وجدت نفسي فيه غريبا ، وجدت نفسي فيه واقع كأنها المرة الأولى .
رسم لوحتي تلك يحتاج إلى هدوء وتركيز ، به أستطيع رسم ملامح جيدة لذلك الجسد ، ورسم خطوط تتناسب وتنساق مع تفاصيل تلك الأحداث ، فرشاتي ستكون أصابعي ، وحبري خيالاتي ، أحاول نثرها فوق سطح مياه بركة راكدة مليئة بالطحالب .. هو وجه لوحتي .
سأجد إبداعي بين تلك المياه وملامسة أصابعي لها ، صفاء منظر لوحتي وحصولي على صورة واضحة غير مهتزة يتوقف على مدى ما لدي من إحساس بملامستي للماء ، يجب أن أكون أكثر شفافية وإحساسا ، يجب أن تكون ملامستي دقيقة ، حتى لا تكون لدي لوحة مهتزة وذات أبعاد لا أستطيع تحديد ملامح الأشكال فيها .
حزينة لوحتي ، خلفيتها رُسمت من قبل ، رسمتها الطبيعة رسمتها الأيام والأزمان الميتة ، لعلها تحمل بين ألوان أحبارها وخطوطها ، أحزانا تفوق تعرجات توحي بوجود لحظات سعيدة كانت هناك .
كلما تعمقت النظر إلى خلفية لوحتي وجدت أن سوادها يشتد أكثر ، تراكمات الظلمة محيطة من كل مكان ، يتوقف النظر ساكنا في الظلمة عندما يصطدم بقاع تلك البركة ، عاش معها سنوات عديدة ، ليس لديه القدرة على أن يحصيها ، ربما تكون قليلة والغالب أنها عديدة ، لا اعلم !! ولكن تراكم الظلمة جعلها صعبة ، وجعلها تأخذ وقت اكبر مما تحتاجه .
خلفية لوحتي تنتهي بظلمة ليس لها نهاية ، أبحث فيها عن نور ، أستطيع أن أواصل فيه سيري ، أو الحصول على لوحة قد يرى البعض أن فيها أمل ، أو أن بوادر أمل مفقودة بين ألوانها ، التي امتزجت مع بعضها البعض ، ربما أجد من يستطيع إخراجها من ظلمات تلك اللوحة .
قوة طرق ذلك الصبي وصراخه بعثر على هدوئي وافقدني تركيزي ، أ رتجفت أصابعي واهتزت ، لامست سطح المياه الراكدة بعنف ، تشتتت صورتي التي رسمتها ، تكسرت على سطح المياه ، أخذتها التّموّجات معها ، لتصطدم بجدران بركة الأحزان ، تعود باتجاهي وهي ممسوحة ، لا تحمل أي ملامح لصورة أو رسمه خطتها يدي
مياه راكدة مليئة بالديان والحشرات نهشت أصابعي وجرحتها ، قطرات دمي أصبحت تائهة في مياه البركة ، تبحث عن استقرار تثبت فيه وتركد مثل كل شيء حولها ، أجد صعوبة في محاولة ثانية لرسم مماثل للوحتي السابقة التي مُسحت ، مهما حاولت سأجدها نسخة مقلدة وليست كالأصل .
تنظر لي وعلامات طلب الرحيل واضحة صرخات الصبي أزعجتها ، عملت بمكر من أجل متعتها ، خططت ودبرت ، فكرت في كل شيء ، أحضرتني هنا وفارق السن بيننا واضح ، كان لصالحها سيطرت على الوضع ، نفذت كل رغباتها ، تلامست صدورنا وتشابكت الضلوع ، لتحدث قلبي بحرية عن معاناة وأحزان ترغب في إخراجها .
لم اصدق ما تقول ..
أدركت أن جنونها قادها لتحتجز الصبي في غرفة ، وأنا وهي في أخرى ، شغلته ببعض الملهيات وشغلتني ببعض الملذات ، تذوقتها وتجرعتها ، هي تقول أن فيها متعة !! سأبحث عنها ربما أجدها في يوم من الأيام مرارة شديدة .. قسوة .. تسلط ، قد نجد بينها متعة هل نحتاج أن نبحث ؟؟
أما الآن فانا أنفذ رغبات لم أبحث عنها أحاول أن أرضيها ، أدركت أني لابد أن أرضيها ، حتى تحصل لوحتي على معن ، يمكنني فيما بعد أن أشاهده من ثقب تجتاحه خطوط الضوء .
علامات حصولها على الرضا لا تبدوا واضحة لعدم تجاوبي بالشكل الذي تريد
فعلت ما أعرف !!
بعثر تركيزي صرخات الصبي من أول مرة ، لم يزعجها في بادئ الأمر كما هو حالها مع آخره ، ربما أنها انتهت ووصلت إلى حد قد يرضيها في وقتها الحاضر ..
لم تعطني ما كنت أسمع عنه ، أو شيء كنت قد تخيلت حدوثه ، تركت لي ساحة أركض فيها بخيولي ، وأعطتني مساحة للهمس ، لا أعلم بماذا كنت أهمس ، لكني أتذكر أني كنت أهمس مهما يكن ، فانا قد وجدت متعة في ذلك الهمس أكثر من أي شيء آخر ، وعدتني إذا وجدتني قد التزمت الصمت ، أنها ستعلمني كيف أرمي سهامي .
عيونها تقول ارحل الآن ، نعم سأرحل ..
يجب أن تطلق الصبي من سجنه لقد طال سجنه وطال غيابي معها
رحلت .. وأنا لا اعلم على ماذا حصلت ولكني متأكد أن ما حصلت ، عليه يخفف شعوري بألم عقاب ينتظرني .. مازلت صغيرا وتغيّبي فيه ريبة .
بيدي حجر .. ؟؟
آن الأوان لرمية على لوحتي المرسومة فوق سطح مياه البركة ، عندها تتهشم خيالاتي وذكرياتي ، تحملها التّموّجات لتقذف بها بعنف في جدران نطقت بالصمت منذ سنين ، قساوتها تمنعها من تركها تعود ، لتفتح لي وجه صفحة جديدة فوق الماء ، أمارس هوايتي في رسم لوحات حياتي ، فقدت لوحتي على جدران بركة حزينة مليئة بالطحالب ، لكني متأكد أن هناك نسخة من هذه الصورة قد استقرت في قاع تلك البركة ، تعيش بين الطحالب وتشاهدها الديدان والحشرات ، ربما لا تعلم ما تكون !! ولكنها تعلم أني مررت من هنا .
0 التعليقات:
إرسال تعليق