وبين الجبلين ترك آثاره على بقعة سوداء ، لم تكن لتنشط لولا أن كان قد داعبها ، بعبث الحائر على جدار ، لا يعرف من أين يبدأ عليه وكيف هي الرسومات تلك التي من الممكن ان يخلفها بعده
ولأنه أعسر قرر أن يتجه بالخطوط من اليمين إلى اليسار ، ليترك يده تتحرك في المقدمة ، ومن بعدها جسده الذي يحاول أن يتناغم به مع تلك الحركات ، التي لا يعرف ماذا ستنتج في النهايات ، قد تكون لوحة مرسومة في خياله غير واضحة ومشتت المعالم ، يجتهد في إبرازها هنا ليساعد نفسه بالنظر لها ، عندها قد يكتشف حقيقة أفكاره .
هكذا وجد نفسه في كل مرة ، لا يحسن الوقوف على أماكن ما قد يجعل غيره يشعر بجمال ذلك التوقف ، وتركيز النظر على مصدر متعة في لوحة على جدار ، ترك الكثير من المارة عليه بعض من لعابهم برائحته النتنه في صباح يوم يحمل ظمأ نهار ساخن ، وربما أنهار أيام صيفية
لم يكن ليعلم أن خطوطه تنتهي في فضاء ، بل كان معتقداً أن الصورة التي في خياله ربما هي هذه نهايتها ، في قرارة نفسه أنه لا يعرف في الأصل تحديد معالم صورة ، بدا هكذا وانتهى في فضاء لم منه يخرج بنتيجة واضحة يقع عليها نظرة
سأل نفسه عن ماذا يبحث ؟
عن متعة في صورة على جدار يحمل رائحة عطر أنثى مرت بجواره ، أم عرق عامل صيانة مراحيض لا توجد لديه مشكلة في أن يتوقف أمام هذا الحائط يتبول عليه ، تاركاً ظهره للمارة يضعون عليه بعضا من نظرات مليئة بالاحتقار ، في دهشة أوقعتهم للسير على مياه ، لم يستطع جدار في شارع مليء بـ ضجيج آلات تمزق طرقات المدينة أن يمتصها جميعا .
حينما أدرك أنه لن يصل لنهايات لوحة على جدار تشوهه نتوءات على أجزائه المتراصة بتناسق جميل ، قرر أن يعكس اتجاه الخطوط بشكل مغاير تماما لما كان عليه .
بدأ هذه المرة من أعلى إلى أسفل , في كل مرة يمرر ريشته بألوانها المتداخلة على قطع الجدار ، تترك خلفها خط لا يحمل هوية أو انتماء للون معين , لم يكن يحدد نوع اللون الذي يريد أن تحمله ريشته ، فقط كان يضع يده في مكان علب الألوان المتجاورة بجوار بعض والمفتوحة جميعها ، وبقايا أصباغ تتركها فرشاته بعد غمسها في داخلها ، تشوه جسدها وتترك معان لشخصية رجل يبحث ولا يعرف عن ماذا يبحث .
هكذا هي خطوط تقاطع خطوط سابقة في نقاط لا تعرف نهاية لـ مكان أو زمان ، بدت عليها ملامح يأس تتعاقبها آمال صامتة تأكل بعضها حتى تتوقف عند حد لحركة فرشاة تحملها يده ، لم يكن يعلم أنها ستنتهي ببقعة سوداء تترك كل ما تحمله من أصباغ بداخلها .
رذاذ مطر لم يشعر معه بالخيبات ، برغم أنه غسل كل ما تركه من رسومات على جدار قضى معه ساعات طويلة ، لأنه يدرك أنها لم تكن تعني أي شيء للوحة لم تكتمل ، بينما يعتقد أن لوحته سوف ترسم نفسها داخل تلك البقعة
حمل فرشاته ..
وترك علب أحباره فارغة !!
0 التعليقات:
إرسال تعليق