باص الثلاثاء.!

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010


الرغبة هي الدافع الحقيقي حتى تنجز أمر معين مهما كان نوعه وشكله ، سواء كان أمر جيد أو قبيح ، وأنا لا أجد في نفسي الرغبة للكتابة ، وأقصد بها تلك التي أخلق في حكاية شاب أو فتاة أو سيدة عجوز تنتظر الباص في صباح شتوي ، تريد أن تذهب للضمان تقدم أوراق حاجتها . وهي تشبه تلك التي تقف كل صباح تنتظر وصول ولدها الذي سافر المدينة ، تنتظره عند محطة الوصول الوحيدة في بلدة صغيرة يمر عليها باص المدينة يوم الثلاثاء من كل أسبوع ، تنتظر وهي ليس لديها أدني فكرة عند موعد وصوله ، تتذكر أنه ذهب وتقول لجاراتها أن سوف يعود يومًا ، لذلك هي تنتظر ، هكذا هي حالات الانتظار التي نعيشها ولنا قصص كثيرة معها ، من ينتظر ابن أو صديق أو حبيب ، لكنهم في الغالب لا يعودون حتى وإن عادوا يكونوا مختلفين عن أولئك الذي ذهبوا .

أقف معها كل يوم أنتظر ، كنت في السابعة من عمري ، أتخلف عن المدرسة في ذلك اليوم حتى لا أفوت لحظات فرحها بقدوم الحافلة من بعيد وهي تبتسم لها ، وكأنها متأكدة من تواجده ضمن الركاب الذين في بعض الأيام لا يأتون ، يفتح لهم الباب ولا أحد ينزل ، ونحن ننظر للبوابة لكن أحد لم ينزل حتى تغلق ، وفي ذات الوقت تفتح بواباتها الخلفية لصعود الركاب الخارجين من البلدة ، والأيام كثيرة هنا في أن لا أحد يصعد متوجها للمدينة .

أحيانا تأتي مبكرة ، وتبقى تتحدث مع أصحاب المحلات هناك ، كلهم يعرفونها ، تقول ربما هناك تغيير في مواعيد الوصول ، لكن وساوسها تبقى مجرد وهمّ عند الآخرين ، حتى أن البعض يحدثها بوهمّ أكبر ، أنهم في هذا الأسبوع قد يرسلون باصين ، وصلت أخبار من المدينة أن زحمة الركاب تستدعي ذلك ، تصيبها نشوة أن قد خمنت أن هناك تغيرات ربما تحدث ، وهي تتحدث بها وفي نظر الآخرين هي مجرد أحاديث .

قريتنا بعيدة عن المدينة بعيدة كثير ، قد لا أجد وصفًا يحدد بُعدها فأنا أبن السابعة ولا أعرف القياسات كثيرًا ، لكنها بعيدة يسيرون لنا من النهار ويأتون لنا في يوم جديد يبدأ بالصبح وهم يبدؤون معنا صباح ذلك اليوم الجديد ، لا يتوقف الباص عندنا كثيرًا هي دقائق قليلة ثم ينطلق إلى محطة رئيسية قريبة من بلدتنا .

تجلس في مكان يقبع به كرسي واحد يستطيع أن يجتمع عليه ثلاثة ولكني لم أراهم يجتمعون أبدًا ، أنتظر معها ابنها الذي ذهب للمدينة ولم يعد ، أعرف أنه لن يعود لكنني أحب أشاهد فرحها أثناء قدوم الحافلة وانكسارها وهي تقترب من بوابتها تتفقد ، هل بقي أحد لم يخرج ؟ تسأل السائق في كل مرة ، ربما هناك أحد نائم ولم ينزل حاول أن تتأكد من خلو الباص تمامًا من ركابه ، ينظر إلى قائمة الركاب ويشاهدها بيضاء خالية من أي راكب ، وبرغم ذلك يقوم من مقعده ويذهب ليتأكد ، يخبرها أن جميع الركاب نزلوا من الحافلة ، تتراجع للخلف وتُغلق الأبواب أمامها .

كثيرة هي القوائم البيضاء التي لا تحمل أسماء ولكننا نحاول أن نوهم الآخرين أننا نبحث فيها عن ذويهم المفقودين ، أو الذين خبّرونا أنهم سيكونون موجودين ، وفي كل مرّة لا يأتون .

الباص يأتي وأنا أغيب عن المدرسة في هذا اليوم من كل أسبوع ولا أحد يسألني عن ذلك الغياب ، لذلك تماديت فيه ، الحياة في موقف الحافلة متنوعة ، ذلك المكان يجمع لك حكايات البلدة ، بين وداع واستقبال ، تراقب الدموع وتشاهد الفرح ، ويلمع بريق عيون خائنة مع أول حركة تذهب بالمتواجدين داخله بعيدًا .

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

عاديه لم تبهرني كما تفعل كتاباتك عادة معي
انت تكتب افضل
يوجد شيء مختلف فيها
لكن الاطناب افسدها
س.لماذا لا احد يسألك عن الغياب؟

إرسال تعليق